عبد الوهاب الشعراني
192
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
وحكى له الشيخ العارف باللّه تعالى سيدي محمد الحريفيش الدنوشرى أحد أصحاب سيدي محمد الغمرى رضي اللّه عنه قال لما مات شيخنا رضي اللّه عنه لم يعجبنا أحد بعده نجتمع عليه فسالت بعض الفقراء فقال عليك بسيدى مدين فسافرت إليه فقالوا لي الشيخ يتوضأ في الرباط فدخلت عليه فوجدته رجلا بعمامة كبيرة وجبة عظيمة وإبريق وطشت وعبد حبشي واقف بالمنشفة فقلت لشخص أين سيدي مدين فأشار إلى أنه هذا فقلت في نفسي * لا ذا بذاك ولا عتب على الزمن * بتحريك التاء المثناة من فوق لأن عهدي بسيدى محمد رضى عنه أن يلبس الجبة والعمامة الغليظة والتقشف الزائد وليس لي علم بأحوال الرجال فقال لي أصلح البيت قل * لا ذا بذاك ولا عتب على الزمن * بسكون الفوقية فقلت اللّه أكبر فقال على نفسك الخبيثة تسافر من البلاد إلى هنا تزن الفقراء بميزان نفسك التي لم تسلم إلى الآن فقلت تبت إلى اللّه تعالى وأخذ العهد على وأنا في بركة سيدي مدين رضي اللّه عنه إلى الآن وكنت أسمع هذه الحكاية من سيدي على المرصفي يرويها عن شيخه سيدي محمد بن أخت سيدي مدين عن سيدي محمد الحريفيش هذا فلما اجتمعت إلى القاهرة أخبرت بها سيدي عليا رضي اللّه عنه وأنا فرحان بذلك فقال لي على وجه المباسطة كنت بلا سند فصرت بسند . وضاقت النفقة على السلطان جقمق فأرسل يأخذ خاطر سيدي مدين رضي اللّه عنه بالمساعدة على نفقة العسكر فأرسل للسلطان قاعدة عمود حجر فحملها العتالون إلى القلعة فوجدها السلطان معدنا فباعها وجعلها في بيت المال واتسع الحال على السلطان فقال السلطان هؤلاء هم السلاطين وجاءه شخص قد طعن في السن وقال يا سيدي مقصودى أحفظ القرآن في مدة يسيرة فقال ادخل هذه الخلوة فأصبح يحفظ القرآن كله وكان الشيخ رضي اللّه عنه إذا سأله أحد عن مسألة في الفقه لا يجيبه ويقول : اذهب إلى عيسى الضرير يجيبك عنها . وكان عيسى هذا أميا مقيما عنده في الزاوية فجاءه جماعة متعنتون على وجه الامتحان فقال اذهبوا إلى عيسى الضرير يجيب عنها فقالوا لا نطلب الجواب إلا منك فقال الجواب في الكتاب الفلاني الذي عندكم على الرف في سابع سطر من عاشر ورقة فوجدوا الأمر كما قال فاستغفروا وتابوا ، ووقائع سيدي مدين رضي اللّه عنه كثيرة مشهورة بين مريديه وغيرهم .